كتاب الآراء

ساحة جامع الفنا بمراكش، وظلم ذوي القربى

الانتفاضة

بقلم : محمد السعيد مازغ

يا ضاحكا في صورة الباكي أنت بنا المشكو والشاكي

محيي الدين ابن العربي

ارى مجموعة من الأقلام وهي تتفنن في الصيغ التعبيرية ، وتجهد نفسها لتبلغنا أن القضاء أقصم ظهر البعير ، ومنح رخصة بإقامة منشأة غريبة عن جسم ساحة جامع الفنا، الموروث الثقافي الشفاهي اللامادي، الذي تتميز به مدينة مراكش عن باقي المدن المغربية، أقلام كنت أعتبرها أشد المدافعين بشراسة عن هوية ساحة جامع الفنا وخصوصياتها، ما فتئت أصواتها ترن في أذني وهي تصدح في الندوات والمحافل الوطنية وفي قبة البرلمان ، وعلى شاشات التلفاز العالمية إن ساحة جامع الفنا تساهم في صون التراث اللامادي الغني وأن أي مساس بتركبتها ، وخدش في وظيفتها يعد جناية في حق تاريخ لا يباع ولا يشترى بمال.والمتنوع للمملكة.

بانبهارنا بالحكم القضائي، وهرولتنا لاصطياد تصريح المالكين الجدد، ومباركة مشروعهم التجاري، وتقطير الشمع على المجلس الجماعي والسلطات المحلية ، نكون قد حققنا السبق الصحافي، ومثلنا صوت الحقيقة والعقل، وقدمنا خدمة جليلة لتاريخ مدينة مراكش وساكنتها.. 

نكون أيضا قد انتصرنا للإسمنت المسلح، و الطبقات تحت الأرض وفي علياء سمائها، وحولنا ساحة جامع الفنا من ساحة الفرجة والبساطة إلى غول الأسواق الكبرى، والمستثمرين الأجانب ،والمطاعم الفخمة ، والفراشة العالميين و بالدرجة الأولى من قارتنا الإفريقية . … 

تناقضات صارخة ، وفوضى عارمة، واعتداء على التراث التاريخي ومعالم المدينة الضاربة في عمق تاريخ مدينة البهجة، هذا التاريخ الذي تغنى به الشعراء الكبار، و تناوله الكتاب والنقاذ والفلسفة العظام، ودونه المؤرخون بماء الذهب الخالص، 

لست ادري عن أي شيء سيكتب المهرولون غدا، بعد أن تطمس معالم ساحة جامع الفنا الثقافية، ويختفي أثر رواد الحلقة، و تتبخر حلقات القصايدية والملحميين وأصحاب السّير، وتدفن شهادة اليونسكو ، ويتحول تصنيف 2001 الذي أدرج ساحة جامع الفنا ضمن قائمة التراث العالمي للإنسانية مجرد ذكرى باهثة ، يتم تسويقها في إطار الحنين إلى الماضي التليد. 

 كان الكاتب الإسباني غويتيسولو المقيم بمراكش قيد حياته ،الملهم بساحة جامع الفنا، يدق ناقوس الخطر، ويذكر ان الساحة ومحيطها خط أحمر،” لأن لا نظير لها عبر العالم” ، 

وإذا كان من الممكن ان تفقد سحرها بقرارات رسمية، فإنه من باب المستحيلات أن تسترجع بقرارات إدارية عبقها التاريخي ودورها الريادي في امتداد الثقافة الشعبية، و الفرجة المفتوحة في وجه زوار مدينة مراكش من داخل المغرب، ومن كل قارات العالم. 

من السهل أن نكمم الأفواه ، ونخون كل مسؤول عارض اغتصاب ساحة مراكش ومحيطها، ونعتمد ترخيصا صدر عن طريق الخطإ، أو الغفلة ، أو التواطئ المعهود في أقسام التعمير وغيرها، ونأخذ به قانونيا لتشجيع المشاريع التجارية، لكن من الصعب أن نستسيغ المآل الذي ستصير عليه الساحة، بعد فتح الباب على مصراعيه للتطاول في البنيان، وزرع الأكشاك والمطاعم المتنقلة، وقتل الفرجة، والقطع مع التعابير الموسيقيّة والدينيّة والفنيّة.

يقول الاستاذ والمؤرخ جعفر الكنسوسي في مقالة له تحت عنوان :”منـــــامــة قــطــوفها دانيــة” 🙁

يرى بعض الباحثين الاجتماعيين في البحر المتوسط بأن الحداثة غالبا ما تتجلى كداء عضال على المدينة العتيقة، فيظهر الأثر فاشيا، يورث النسيج الحضري أمراضا حتى وكأن المدن العتيقة المتوسطية لا ترقى إلا لنظرة حنينية إلى ما فات.  وكأنها عاجزة عن ابتكار حاضرها

… ينبغي أن يعلن عن كون هذا التراث قضية وطنية لأن وجه السياحة الثقافية المغربية وصورتها في مراكش،

ومركز دائرة المدينة هي ساحة جامع الفناء، هذا الكائن الملحمي العصي عن الاندثار.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة الانتفاضة

مجانى
عرض