مجتمع

فاجعة طنجة.. بين جشع الرأسمال وفساد المسؤولين اندثرت القيم والضحية أرواح بشرية بريئة

محمد بولطار

عذر أقبح من زلة.. ذلك الذي قدمته السلطات المحلية بمدينة طنجة، لتبرير وتقديم الحادث الأليم، الذي راح ضحيته حوالي 28 شخصا، ضحايا لقمة العيش، قضوا بعدما حاصرتهم مياه الأمطار داخل مرآب فيلا تستغل كوحدة صناعية للنسيج بطريقة سرية، كما وصف ذلك بلاغ السلطات الولائية بجهة طنحة تطوان الحسيمة.

ضحايا عمال وعاملات غادروا ذويهم صباحا للالتحاق بمقر عمل تنعدم فيه أبسط الشروط الحمائية والاجتماعية، وهم لا يدرون أنهم ساروا في طريق اللاعودة أو العودة جثتا هامدة في صناديق خشبية، تاركين وراءهم أيتام وارامل وثكالى، سيكون نصيبهم في هذه الدنيا من بعد ذلك، برقيات تعازي، وتلاوة فاتحة ت حما على أرواح قضت نحبها، ورسائل تضامن لن تخفف في شيء من المصاب الجلل.

حادث مأساوي، أشد بشاعة من حوادث ركوب قوارب الموت التي تفتك بالعشرات من الضحايا المغاربة حاملي الشهادات العليا، الذين اختاروا الارتماء في أحضان البحر ومصارعة الموج هروبا من وطن لم يجدوا فيه سوى الجحود وقلة ذات اليد..، وتنطلق غالبيتها من مدينة طنجة…

حادث مأساوي، أفجع من حوادث يومية لتهالك العديد من البنايات وسقوطها فوق رؤوس ساكنتها التي فضلت المغامرة بأرواحها، والبقاء تحت أسقف وبين جدران مهترئة، على الخروج إلى العراء، ومخافة ذئاب تتلصص للانقضاض على لحم بشرية استرخصتها قلة ذات اليد واستباحتها نفسيات مريضة..، ومدينة طنجة شاهدة على مثل كذلك حوادث كثيرة…

حادث مأساوي، أشد مرارة من حوادث الإرهاب، التي يروح ضحية لها أبرياء من مختلف الأعمار، ذنبهم أنهم جاوروا أو مروا بجانب متطرف ضعيف نفس وضيِّق فِكر تعرض لغسيل دماغ، وكان أيضا ضحية الجهل في مجتمع منافق وتجار دين استغلوا فاقة العديدين للوصول لأهداف ونوايا خبيثة.. ومدينة طنجة لا تخلو من مثل هكذا شبكات…

حادث مأساوي، أكثر بشاعة من حوادث البيدوفيليا، التي تستغل عوز الكبار وبراءة الصغار، لتفتك بضحايا تعدادهم بالعشرات، يعيشون تحت وطأة استغلال جنسي، ربما يصبح متكررا ويفتح فيهم جراح لا تندمل إلا بنهاية الحياة ما لم يكونوا قد فقدوا حياتهم في أول حادث لاستغلالهم… ومدينة طنجة تعج بمثل ذلك ضحايا كُثُر…

حادث يستمد مأساويته، بشاعته، فجاعته، ومرارته، من كون ضحاياه، عمال وعاملات من فئات هشة، اختاروا البحث عن مورد رزق ولقمة عيش حلال، وكانوا ضحايا، لتكالب، أصحاب نفوس ضيقة، وجشع رأسمالي، وحب كنز مال، وتهرب ضريبي، مع مسؤولين فاسدين استرخصوا أرواح بريئة لتكديس الثروات وعيش حياة الرفاه والترف، دون حسيب ولا وقيب.

حادث يضرب مجهودات السلطات العليا في البلاد، لتحسين ظروف العيش، وضمان أمن وسلامة المواطنين والممتلكات، وإرساء مبادئ الديمقراطية وحقوق الانسان، وتمكين الطبقة العاملة من حقوقها، وتشجيع الاستثمار، والمحافظة على حقوق الدولة كاملة لضمان تحقيق التنمية المستدامة.

حادث لا يجب أن يمر دون محاسبة، وينتهي مع فتح تحقيق لن تكشف نتائجه، وتشكيل لجان تقنية للبحث وأخرى للتحسيس، حادث وجب فيه معاقبة المتورطين، بدءا من اعلى هرم للسلطة بمدينة طنجة حتى أصغرها ومالك الوحدة الصناعية والمشرفين عليها.

حادث لن يكون الأخير في ظل تواجد العديد من الوحدات الصناعية، عبر تراب المملكة، التي تشتغل في ظروف غير قانونية عنوانها العشوائية والتهرب الضريبي، وهضم حقوق العمال والعاملات، ووجب معه التعامل بحزم، والتصدي لكل مظاهر السرية والعشوائية، إضافة لتحسين البنيات التحتية بالمدن المغربية وتكثيف التدخلات الاستباقية لتفادي كوارث تسيء لصورة المملكة المغربية ومجهوداتها لتحقيق النمو البشري.

“مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَـئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ “.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة الانتفاضة

مجانى
عرض