تحقيقات وملفات

حمل نسوة التهريب في المغرب يزداد ثقلا بسبب كورونا

وكالات

قَدرُ حمالات البضائع المغربيات في سبتة المعاناة. فبعد معاناتهن أثناء العمل من الحمل الثقيل وظلم مشغليهن والمضايقات اليومية في المعبر، يأتي فايروس كورونا ليضيّق عليهن الخناق ويحيلهن على بطالة أكثر مرارة من العمل الشاق. فلم يبق لهن مورد رزق يقتتن منه، في انتظار حلول جذرية لحياتهن القاسية.

تتحدث حنان، بكثير من الحيرة عن مستقبل مجهول المعالم، عن دوس الكرامة لسنوات وفقدان القوت المر، عن أحلام تتبدد، وآمال مهدورة على جانبي معبر سبتة الرابط بين المغرب وإسبانيا.

في شريط فيديو توثيقي من إنتاج جمعية “السيدة الحرة”، حول العنف الممارس على النساء والفتيات بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، تبوح حنان بغير قليل من الألم الممزوج بالإحساس بالتيه عن ذكرياتها لسنوات، وهي تشتغل حمالة للبضائع المهربة من سبتة، ذكريات صارت من الماضي بعد التوقف النهائي لنشاط التهريب، منذ إغلاق المعبر في مارس الماضي، دون بوادر فتحه مجددا.

فقدان الزوج ومسؤولية تربية بنتين في عمر الزهور، أخرج حنان، الأرملة ذات 35 ربيعا، قسرا من دفء المنزل إلى قسوة المعبر، متلمسة خطى جدتها التي مهدت لها الطريق للاشتغال في التهريب لتدبر “القوت اليومي المر”.

حنان هي واحدة من بضعة آلاف من النساء اللواتي دأبن على عبور الحدود يوميا بحثا عن لقمة العيش المغموسة في المعاناة.

هنّ حوالي 3500 سيدة، أو أكثر بقليل حسب جمعيات محلية. نسوة من مختلف الأعمار يحترفن التهريب بباب سبتة، دفعتهن ظروف العيش الحافي لاحتراف نشاط حاط من كرامتهن، يكابدن الآن المجهول بعدما عانين لسنوات من استغلال كبار المهربين لظروفهن الاجتماعية.

النساء يحملن أزيد من 80 كلغ من السلع يوميا، إضافة إلى حمل المضايقات التي يتعرضن لها على جانبي المعبر

وحسب دراسة أنجزتها جمعية السيدة الحرة، فإن جلّ النساء الحمالات بالمعبر يقاسين ظروفا اجتماعية صعبة، حيث دفعهن الفقر والحاجة أو فقدان المعيل إلى الاشتغال في التهريب، 67 في المئة من بينهن يوجّهن دخلهن إلى إعالة الأسرة وتعليم الأبناء، و33 في المئة للمساهمة في بناء مسكن العائلة.

وكشفت الدراسة عن أن 73 في المئة من بينهن يعملن في حمل البضائع لفائدة جهات أخرى، بينما 15 في المئة منهن فقط يمارسن التهريب لفائدة حسابهن، فيما يعمل الباقي (12 في المئة) كخادمات بيوت بسبتة.

ويفتقر 43 في المئة من بينهن لأي تغطية صحية، مقابل حصول 48 في المئة على بطاقة الدعم الاجتماعي، بينما تتمتع 7 في المئة من العاملات بالبيوت في سبتة بالتغطية الصحية الإسبانية، كما يعاني 60 في المئة من بينهن من العنف، الجسدي والاقتصادي والنفسي، بشكل دائم.

وضعية من هذا القبيل، دفعت بجمعية السيدة الحرة، إلى تبني موقف مناهض للتهريب والاتجار فيه بسبب ما يرافقه من أوضاع مهينة للكرامة الإنسانية، وتحث بالمقابل الجهات المسؤولة على ضرورة خلق بدائل أخرى للمشتغلين بالتهريب.

وأبرزت الحقوقية مريم الزموري، خلال ندوة رقمية حول إغلاق معبر باب سبتة ومنع التهريب، أن تجارة المعبر الحدودي كرست استغلال كبار التجار والوسطاء لحمالات البضائع.

وتابعت، أنّ “عددا كبيرا من النساء كنّ يعرّضن حياتهن بشكل يومي للخطر، إذ يكفي التذكير بسقوط 10 ضحايا جراء حوادث التدافع بين سنتي 2009 و2020، وهو أمر مؤسف دفعنا، كجمعيات نسائية وحقوقية، إلى التنبيه، عبر بيانات ومذكرات، إلى خطورة الوضع الذي كان قائما”.

حنان بدورها لا تخفي حجم المعاناة التي كابدتها نساء المعبر لضمان “دخل يومي هزيل أحيانا ومحترم أحيانا أخرى”، مبرزة أن النساء كن يحملن أزيد من 80 كلغ من السلع مقابل 150 إلى 170 درهما في اليوم، دون الحديث عن حجم المضايقات التي تعرضن لها مرارا وتكرارا على جانبي المعبر، قبل رفع المبلغ إلى 300 درهم إثر احتجاجهن على كبار التجار.

وتجمع 60 في المئة من نساء المعبر، حسب تقرير جمعية السيدة الحرة، على أن التهريب المعيشي “عمل غير لائق”، بينما تقر الـ40 في المئة أنه “عمل لائق لكونه يوفر المصروف الشهري”، بالرغم من أن 93 من بينهن صرحن بأن وضعيتهن الصحية “سيئة” أو “متوسطة” لكونهن يعانين من أحد الأمراض على صلة بهذا العمل.

في انتظار باب الرزق
هاربون من الفقر إلى القهر

الآن وبعد إغلاق المعبر، صار البحث عن بديل لممتهني التهريب المعيشي ضرورة ملحة لضمان الاستقرار الاجتماعي في منطقة حدودية يقدر عدد العاملين فيها في التهريب المعيشي بحوالي 10 آلاف شخص، نصفهم من النساء، كما يرتهن اقتصاد المنطقة بشكل كبير إلى التجارة الحدودية.

وحسب جمعية السيدة الحرة، كانت الانعكاسات الاجتماعية لإغلاق المعبر “خطيرة”، إذ أن 35 في المئة من النساء لم يجدن عملا بديلا، و43 في المئة يشتغلن في المنازل، و15 في المئة يشتغلن كبائعات متجولات، بينما تشتغل 7 في المئة كأجيرات بأجور متدنية تقل عن 1500 درهم في الشهر بالنسبة لـ75 في المئة من بينهن. وتشتكي 53 في المئة من نساء المعبر من ارتفاع معدل العنف بعد توقف نشاطهن، إلى جانب تداعيات أخرى كالطرد من منازل الكراء والعجز عن دفع فواتير الماء والكهرباء وتكاليف التطبيب.

إن كانت جل نساء التهريب يرين أن أفضل حل بالنسبة لهن هو إعادة فتح المعبر بكل بساطة، فإن التوجه الراجح يتمثل في إعادة إدماج المشتغلين والمشتغلات في هذا النشاط غير القانوني في مشاريع جديدة تضمن العيش الكريم وتحفظ الكرامة الإنسانية.

ولكون إنشاء منطقة حرة في محيط مدينة سبتة المحتلة كان من بين توصيات العديد من الهيئات الحقوقية والمدنية والبرلمانية، فقد تم مؤخرا الإعلان عن إطلاق مشروع إنجاز منطقة الأنشطة الاقتصادية للفنيدق، والتي ستساهم في خلق فرص الشغل لامتصاص ظاهرة البطالة التي ارتفع معدلها بسبب توقف النشاط التجاري على مستوى معبر باب سبتة.

وسيساهم هذا المشروع، في توفير بدائل مدعومة بإنشاء منصة لنقل السلع القادمة من مدينة سبتة عبر ميناء طنجة المتوسط.

كما تم إيلاء حرص خاص، في إطار المبادرة الوطنية للتنمية البشرية بعمالة المضيق – الفنيدق، لدعم التعاونيات والمشاريع المدرة للدخل لفائدة الراغبين في إطلاق مشاريع خاصة، على أمل التخفيف من الوقع الاجتماعي لقرار إغلاق معبر باب سبتة.

عن العرب أولاين

اظهر المزيد

جريدة الانتفاضة

بين صفحاتها للكل نصيب ترى أن التحاور مع الآخر ضرورة وسيجد هذا الآخر كل الآذان الصاغية والقلوب المفتوحة سواء التقينا معه فكريا أو افترقنا ما دمنا نمتلك خطابا مشتركا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
جريدة الانتفاضة

مجانى
عرض