كتاب الآراء

فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم

الانتفاضة/عبدالرزاق الحيحي
وأنا أتابع في اليومين الأخيرين خبر الخطة الجهنمية التي انتهجتها جهات قدر لها أن تتحكم في أمور تسيير وتدبير أمور الشعب، والتي تخطط للزج، مستقبلا، ب 90% من الشعب المغربي بسجون المملكة من خلال محاولة تمريرقانون لم تجرؤ أعتى دول المعمورة قمعا وقسوة لتضعه كالسيف فوق رقاب كل من سولت له نفسه أن يعبر عن رأيه واختياراته ويدعو إليها بطرق حضارية، لتقمع حرية التعبير والرأي ضدا على بنود الدستور المغربي نفسه وضدا على كل التوصيات والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان.
فبالرجوع إلى الوثيقة الدستورية لظهير 29 يوليوز 2011، نجد أن المشرع المغربي قد سن مجموعة من المقتضيات التي تكرس حرية الرأي والتعبير كالفصل السادس من الدستور الذي نص على أن: “القانون هو أسمى تعبير عن إرادة الأمة. والجميع، أشخاصا ذاتيين أو اعتباريين، بما فيهم السلطات العمومية، متساوون أمامه، وملزمون بالامتثال له. وتعمل السلطات العمومية على توفير الظروف التي تمكن من تعميم الطابع الفعلي لحرية المواطنات والمواطنين، والمساواة بينهم، ومن مشاركتهم في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية…”. بالإضافة إلى ما  جاء بالفصل الخامس والعشرون في مقتضياته التي تنص على أن “حرية الفكر والرأي والتعبير مكفولة بكل أشكالها. وحرية الإبداع والنشر والعرض في مجالات الأدب والفن والبحث العلمي والتقني مضمونة”. وأخيرا الفصل الثامن والعشرون الذي نص على أن “حرية الصحافة مضمونة، ولا يمكن تقييدها بأي شكل من أشكال الرقابة القبلية. وللجميع الحق في التعبير، ونشر الأخبار والأفكار والآراء، بكل حرية، ومن غير قيد، عدا ما ينص عليه القانون صراحة. وتشجع السلطات العمومية على تنظيم قطاع الصحافة، بكيفية مستقلة، وعلى أسس ديمقراطية، وعلى وضع القواعد القانونية والأخلاقية المتعلقة به…”.
وبخصوص أهم المرجعيات الدولية لحقوق الإنسان في مجال حرية الراي وحرية التعبير، فإنها ترتكز بالأساس على ما ورد في المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والمادة 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسة، التي وضعت الإطار العام لممارسة حرية الراي وحرية التعبير بمختلف الوسائل بما فيها استخدام شبكات التواصل الاجتماعي والبث المفتوح، وهو ما أكدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في قرارها 68/167 ومجلس حقوق الإنسان في قراريه 26/13 و 32/13 عندما اعتبر أن حرية التعبير والحقوق الأخرى تنطبق على شبكة الأنترنيت، والتعليق العام رقم 34 للجنة المعنية بحقوق الانسان التي اعتبرت أن “حرية الرأي وحرية التعبير شرطان لا غنى عنهما لتحقيق النمو الكامل للفرد.
من خلال الأخبار والتدوينات التي تناولت الموضوع، يتضح لكل ذي لب أن من أعد المشروع المشؤوم، لا يهدف من وراء ذلك سوى خدمة مصالح شركات تعود لشخصيات نافذة لطالما عتت في الأرض فسادا ، فأبت أخيرا إلا أن تفكر في خطة شيطانية ترعب وترهب بها الشعب المغربي قاطبة، شعب عانى وضاق درعا بممارسات هذه الشخصيات التي أزكمت فضائحها ألأنوف وتناولتها جل الصحف الوطنية والدولية ولوكتها الألسن، لتطل علينا منظمة الأمم المتحدة بتنبيه خطير كان عبارة عن جرعة جعلت كل المغاربة يتنبهون للخطر المحدق بهم جراء محاولة شخصيات تجمع بين السياسة والمال توجيه طعنة غادرة في ظل التلاحم وراء عاهل البلاد والتضامن اللذين أبداهما الشعب خلال جائحة وباء كوفيد 19، بحيث أثار هذا التلاحم حقد هذه الشرذمة من أعداء الوطن والشعب فأبوا إلا أن ينكدوا على المواطنين هذا التلاحم، ويعدوا مشروع قانون هدفهم الوحيد من ورائه إلجام كل من يعارض وينتقد ويفضح فسادهم وجشعهم، للحفاظ على امتيازاتهم وحماية شركاتهم وشركات أقربائهم ومعارفهم، ثم يخلو لهم الجوللإجهازعلى ما تبقى من ثروات ومن خيرات دون حسيب أو رقيب.
ودائما وفي خضم متابعتي لما قيل وكتب عن هذه الفضيحة، والتي كانت منظمة الأمم المتحدة سباقة للتحذير من استغلال المغرب ظروف الجائحة التي اجتاحت العالم للانتقام من كل معارض، أطل علينا إعلامي أحترمه، وخلال برنامج يذاع على أمواج إذاعة خاصة تناول قضية هذا المشروع، حيث خانته صراحته وشجاعته الصحفية المعهودتان، وأكد من خلال البرنامج الإذاعي أن القانون أو مشروع القانون، ليس سوى زوبعة من صنع المخابرات التي تلجأ أحيانا لذلك وتلك عادتها، حسب زعمه، واستطرد في تحليله أنه ونظرا لعلاقاته الشخصية بوزير العدل بنعبدالقادر، فإن هذا الأخير بريء من هذا التقرير، والحكم للمحلل، وأنه اتصل بثلاث وزراء يعرفهم، فنفوا علمهم بهذا المشروع أو كما قال، لنستنتج من تصريحه أنه نصب نفسه مدافعا، دون أتعاب، عن وزير العدل بنعبدالقادر رفيقه بالحزب ، رغم أن هذا الأخير أكد من خلال منابر إعلامية أنه هو من أعد مشروع القانون.
نعود لأقوال نفس المحلل، فنجده يقول بالحرف بأن الجرائم والعقوبات التي تم اقتراحها بمشروع القانون موجودة أصلا بالقانون الجنائي، وهذه مغالطة في نظري وإلا فليأتنا السيد المحلل والخبير الإقتصادي والسياسي بنص الفصل المتضمن لعقوبة المحرض على مقاطعة منتوج أو سلعة والمقترحة عقوبته من ستة أشهر إلى ثلاث سنوات، أي عقوبة التحريض على مقاطعة سلعة ما، أشد من عقوبة التحريض على ارتكاب جناية. ودائما، وعلى افتراض صحة ادعاءات السيد المحلل بأن مشروع القانون هذا هو من عمل المخابرات، فلماذا بدأ وزراء حكومتنا الموقرة يتلاومون فيما بينهم ويتساءلون عمن قام بتسريبه، في حين بلع البعض الآخرألسنتهم، وفعلوا ما فعلته النعامة.
شيء آخر لابد من الإشارة إليه في هذه العجالة؛ بما أن المغاربة قاطبة يعلمون من هم المستفيدون من تكميم أفواه دعاة مقاطعة المنتوجات والسلع، لماذا لم يصدر أي تصريح من صاحب دعوة (أغراس..أغراس)؟ فكأنه يقول لإخوانه ما قال إبليس لأوليائه ومن أطاعوه: (وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي، فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم (.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى