كتاب الآراء

عن التطهر والتطهير في ظل كوفيد 19

الانتفاضة

ذ.محمد بوعابد

في ظل السيطرة الحالية لكوفيد 19 على العالم، بدء من الصين وصولا حتى أبعد نقطة جغرافية على متن هذه البرتقالة الزرقاء، بحسب وصف بول إيلوار للأرض ذات قصيدة، توجب على الإنسانية في مختلف أماكن وجود أفرادها والجماعات أن تعمل على محاربة هذا الفيروس الخطير، ومثلما تكشف لها ذلك، تبين لها ــ بكل وضوح وجلاء ــ أن ثمة فيروسات أشد خطورة من كورونا، كانت الإنسانية بنفسها هي من صنعتها بيديها ووفرت لها شروط التنامي والانتشار والهيمنة، هي فيروسات الأمية والجهل والاعتقادات الخرافية الخاطئة، وهي التي تؤكد بأفعالها وسلوكياتها صدقية القول: (يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه). والتطهر مع التطهير المقصودان من قبلنا في هذه الورقة لا نريد منهما الدلالة المعجمية فحسب، بل ما يمكن أن يستفاد من التأمل في واقع الحال، وما يمكن أن يستخلص من دروس قابلة لأن يتم استثمارها في مستقبل الأيام. وذلك، لأننا نعتقد أن هذه المحنة، المتمثلة في جائحة كورونا، قادرة أن تمد المتأمل فيها، وفي ما يمكن أن يترتب عنها من نتائج في الأمداء القريبة والبعيدة، ما يسعفه على تحويلها إلى منحة تغني الإنسانية، أفرادا وجماعات، على ألا تكرر نفس الأخطاء التي تكاد تودي بها إلى الهلاك ودمار هذا الكوكب الأزرق.

إذن، علينا أن ننتبه إلى أن فيروس كورونا المتجدد، وما فرضه على العالم أجمع من حجز والتزام بضرورات التطهر والتطهير يصدق فيه قول الباري – تبارك وتعالى – في سورة البقرة الآية 216، (وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم). فلا بد أن هذا الحجز والحجر والالتزام بالبقاء في المنزل قد أعاد كل واحد منا إلى مجالسة ذاته، وإلى أن يكتشف – من جديد – أن فرادته، إن كانت له من فرادة تميزه، لا تمتلك أيما قيمة، ما عدا حينما يكون لها الحضور الفاعل والمنتج داخل الجماعة التي ينتمي إليها بإحكام، أي حين تكون فرادته تلك إضافة نوعية وإيجابية لصالح جماعته التي هي جماعات متعددة ومتنوعة في العمق (الأسرة/الوطن/الإنسانية).

وإذا كان هذا الفيروس قد استوجب التطهر وتعقيم الجسد، كما فرض تطهير وتعقيم المحيط الفيزيقي الذي يحف بالناس حيثما كانوا، فإنه من جهة أخرى قد بين حاجة الإنسانية، بأفرادها وجماعاتها المختلفة الألوان واللغات والعقائد، إلى التطهير الروحي والفكري والوجداني. فمثلما هو ملاحظ في سلوكيات الناس أثناء اقتنائهم لحاجياتهم الضرورية للعيش والتداوي، برز الأنانيون الساديون الذين لا يفكرون سوى في أنفسهم، وفي مقابلهم ظهر الطيبون الذين يؤثرون مساعدة الغير بما لديهم، كثيرا كان أو قليلا، دون أن ينسوا أنفسهم ومن يتعلقون بهم. فإن نفس هذه الملاحظة نجدها صادقة بقوة على الدول في ما بينها، وهذا ما أكده الفيلسوف الكبير وعالم الاجتماع الفرنسي إدغار موران في الحوار الذي أجري معه أخيرا، إذ أبرز أننا (في غياب التضامن الدولي والمنظمات المشتركة لاتخاذ تدابير في مستوى الوباء، نشهد الإغلاق الأناني للدول حول ذاتها)، ثم سجل في مقابل ذلك أن ثمة (حاجة إلى تشكيل تضامن دولي وقد أعطى انطلاقته أطباء وباحثون من جميع القارات)، فإذا كانت الكثير من الدول الرأسمالية قد عمدت إلى رفع شعار ” إذا مت ظمآن فلا نزل القطر”، فإن أفراد الجيش الأبيض من الأطباء والباحثين عن اللقاح والمصل الكفيل بمواجهة هذه الجائحة قد بادروا  تشكيل جبهة دولية.

وبكل تأكيد، فإن الانتشار المهول لفيروس كوفيد19 في مختلف بقاع العالم، وما ترتب عنه من وفيات بالمئات والآلاف، مع ما أحدثه من أضرار اقتصادية، علاوة على ما سيتمخض مستقبلا عن كل ذلك من نتائج سياسية وديموغرافية، يبرز حاجة الإنسانية إلى الوعي – من جديد وبقوة – أن مصيرها واحد، إذ هومصير مشترك. فإذا كانت هذه الإنسانية في هذا الحاضر قد توحدت رغما عنها تقنيا واقتصاديا فغدت بفعل التعولم La Mondialisation سوقا واحدة للمنتجات المادية واللامادية التي يغلب عليها ما يتوافق مع النموذج الغربي من معايير وقيم، يقف في قمتها معيار الكم إنتاجا واستهلاكا، فإن تخلي هذه الإنسانية المعولمة mondialisèe على قيم التضامن والتكافل وتبنيها لقيم العقيدة النيوليبيرالية قد أفضى بمكوناتها الدولتية، وهي تتطور متبلورة ضمن النسق العولمي، لأن تصير متأسسة وقائمة على التخلص من تحملها لواجباتها الاجتماعية، فقد رفعت أياديها عن الخدمات الرئيسة التي يحتاجها المجتمع من تعليم وصحة ومساعدة اجتماعية للمحرومين. ولنا في واقعنا المغربي ما يكشف هذا التوجه ويدحض دعواه. فقد تم التخلي عن توفير البنيات التحتية الكفيلة بتوفير تعليم سليم تكون مخرجاته عبارة عن مواطنين صالحين يقومون بواجباتهم ويستفيدون من حقوقهم، مواطنين عارفين كيف يقدرون ما يمكن أن يساعدهم على الترقي ويعينهم على الإسهام في أن يتقدم وطنهم داخل مدارج التنمية والتحضر. وكذلك تبين الاحتياج القوي إلى وجود بنيات تحتية تضمن الخدمات الصحية لمختلف شرائح المجتمعات البشرية. وقد لاحظ المفكر إدغار موران أن (منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة لا تستطيعان توفير وسائل المقاومة لأكثر البلدان حرمانا). ولهذا يؤكد السيد إدغار موران على أن أهم ما يمكن استفادته من هذه الجائحة العالمية، قل هذه الحرب العالمية التي تواجه فيها البشرية جمعاء هذا العدو المتربص بها، هو التالي: 1) حماية الاستقلالات الذاتية الأساسية لكل دولة دولة، وذلك من خلال تحقيق الاكتفاء الذاتي من الغذاء. و2) استرجاع الاستقلالية الصحية وهو ما فهمت منه شخصيا: ضرورة توفير البنيات التحتية القادرة على ضمان الاستجابة لحاجات المواطنين في التطبيب والدواء، وهو كذلك ما يستدعي توفير الإمكانيات للبحث العلمي في مختلف المجالات العلمية (الصيدلانية والميكروبية والفيروسية…). فـ3)إعادة التفكير في النزعة الاستهلاكية، أي بعبارة إدغار موران إعادة التفكير في (الإدمان و”الاستهلاك المخدر”ن وفي تسممنا بالمنتجات دون فائدة حقيقية.) ثم4) التخلص من الكم لصالح الكيف.

وبحسب تأملات هذا المفكر وعالم الاجتماع تحمل أزمة كوفيد 19 في طياتها فوائد ينبغي الوعي بها واستثمارها: أولها تغيير علاقتنا بالزمن، يقول: (فبفضل الحجز، وبفضل هذا الوقت الذي نستعيده، الذي لم يعد مقطعا، ومحتسبا بدقة (Chronométré) هذا الوقت الذي ينفلت من الدائرة المغلقة للمترو – العمل – النوم، يمكننا أن نستعيد ذواتنا، ونرى ما هي احتياجاتنا الأساسية، أي الحب والصداقة والحنان والتضامن وشعرية الحياة… الحجز يمكن أن يساعدنا على البدء في تطهير طريقة حياتنا. وفهم أن العيش بشكل جيد هو تحقيق إمكانات “الأنا” (Notre Je) ولكن دائما مختلف “النحن”). وثانيها ضرورة استعادة التضامن الوطني المنفتح على المصير الأرضي المشترك، التضامن الوطني غير المنغلق وغير الأناني، فالبشرية جمعاء تعاني من نفس المشاكل، قبل جائحة هذا الفيروس المميت وأثناء انتشاره وبعد زواله، وهذه المشاكل قد نجمت – في اعتقادي أنا بوعابد – عن تبنيها للطرح الغربي القائم على فلسفة السيطرة والاستغلال لشعوب الأرض ولخيراتها دون وازع أخلاقي، وقد تجلت هذه المشاكل الإنسانية المشتركة منذ زمن، وهي: تدهور المحيط الحيوي، انتشار الأسلحة النووية، الاقتصاد غير المنظم الذي يزيد من عدم المساواة.

ويمكن أن نخلص مع المفكر إدغار مورا إلى أن المصير المشترك للإنسانية واحد، وإلى أنه مدرك من طرف العقول، غير أنها خائفة، ولذلك فهي تلجأ إلى الأنانية الوطنية أو الدينية. صحيح أن التضامن الوطني أمر ضروري، لكن يجب إدراك أن ثمة حاجة ماسة إلى وعي المصير الإنساني المشترك، وأن من الضروري التقدم في إنجاز هذا التضامن وطنيا ودوليا، كما من الواجب تغيير التفكير السياسي. فعلى سبيل التمثيل، نحن في المغرب في حاجة إلى أن نعيد النظر في واقع المدرسة العمومية، فنعيد لها مكانتها التي تستحقها حتى تكون مخرجاتها في مستوى آمالنا في تقدم وتنمية هذا الوطن من أبناء يحبونه ويعملون من أجله، وحتى لا يبقى الجهل المتضافر مع الأمية والعائد الخرافية هو ما يقود نساءنا ورجالنا في الحياة.

·        إدغار موران: “الحجز يمكن أن يساعدنا على البدء في تطهير أسلوب حياتنا” حاوره دفيد لوبايي وسيلفان كوراج. ترجمه إلى العربية: الحسن مصباح. نشر يوم السبت 21/03/2020 متن قناة المعارف المجلة الإلكترونية مركز معارف للدراسات والأبحاث.

Réponse rapide

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى