آخر الأخبارجهويةسياسيةصندوق الأخبارمجتمعوطنية

من ذاكرة الشبيبات الحزبية بابن جرير

الانتفاضة/ م . س

 بقلم : ذ عبد الكريم التابي
من ذاكرة الشبيبات الحزبية بابن جرير:
خالد مصباح: المناضل المتعدد الذي لا ينكر بصماته إلا من يستطيب الجحود:
(يا بو براهيم: ازرع لي يا رفيكي فوك الجبل شتلة)
كلما أعدت الاستماع إلى هذا المقطع من أغنية :يا بو براهيم لفرقة العاشقين الفلسطينية، تذكرت الشاب اليافع خالد مصباح زمن الإقلاع في زمنها الثاني)

في عقلنا الذي يميل إلى ثقافة العقوق والتبخيس والمحو والتشطيب على كل أثر للآخر الذي قد نتفق معه في زمن ما ونختلف معه في زمن آخر، بل لا نتردد أحيانا في الإلقاء به إلى الربع الخالي، يستوطن الإجحاف خلايا ذلك العقل، ولا ترتاح نفسيتنا إلا حين نرى الآخر منكسرا أو حين يأخذ لنفسه بعض لحظات التفكير والتأمل في المسار سالفه ولاحقه، وكأن المطلوب منا أن نسير في خط مستقيم خال من الانعراجات والالتواءات، بل أحيانا خال حتى من التعب والإنهاك الجسدي والنفسي.
وحين نتأمل مليا في شاب يافع انخرط في العمل المدني في سن السابعة عشرة، وتقلد مسؤوليات جسيمة في سن مبكرة إلى جانب الكبار، وصمد لما يزيد على ثلاثين سنة في وضع مغربي متوتر، ووضع محلي غارق في التأخر والطغيان، ووضع ذاتي غير مطمئن ومريح ، بل مجهول المصير، قلا يمكننا إلا أن نردد بكل الجرأة : فوق طاقتك لا تلام.
في ابن جرير القروية إداريا ومجاليا، في النصف الثاني من ثمانينيات القرن الماضي، ستعرف البلدة تحولا في بنيتها الثقافية (العالمة مع بعض التحفظ) بعد ظهور جمعية الإقلاع، وسياسيا بعد الحسم فيما كان يجري داخل الاتحاد الاشتراكي من تناقضات عمودية، وسيعمل الجناح الذي كان يسمى الاتحاد الاشتراكي ـ اللجنة الإدارية (الذي سيحمل لاحقا اسم حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي)، على أن يبحث له عن مساحات الاشتغال والانتشار وبسط النفوذ، فصادف وجود جمعية الإقلاع الثقافي أول جمعية تأسست بمنطقة الرحامنة، فكانت الفرصة مواتية ل”ينقض” عليها في ولايتها الثانية، ويترجم من خلالها تصوره الثقافي وبالتالي يستعملها كذراع تعزز حضوره في المشهد العام للبلدة باستقطاب الشبيبة وبالتالي توسيع قاعدة الحزب.
في هذا الوضع الثقافي المتحول، سيفد الشاب اليافع خالد مصباح على ابن جرير سنة 1988 قصد متابعة دراسته الثانوية، يحمل معه أبجديات التنشئة الاجتماعية الأولى بما راكمه من مكتسبات حين كان يرتاد دار الشباب عرصة الحامض بمراكش وينشط في إحدى أشهر الجمعيات التربوية (الجمعية المغربية لتربية الشبيبة AMEJ ) ، وهو في سن العاشرة من العمر. سينخرط في جمعية الإقلاع التي قضى بها ثلاث سنوات مكنته بعد ذلك من أن يرأس مكتبها المسير وهو في سن السابعة عشرة.
سياسيا سيلتحق بحزب الطليعة سنة 1990، ومنه إلى الجمعية المغربية لحقوق الإنسان فرع قلعة السراغنة الذي كان فرع ابن جرير تابعا له. وانخراطه في العمل الحقوقي سيكسبه ثقافة حقوقية لم توقفه عند عضوية مكتب محلي للفرع، بل أنه تدرج في المسؤوليات من عضو إلى رئيس لفرع ابن جرير لثلاث ولايات، إلى نائب لرئيس الفرع الجهوي لثلاث ولايات أيضا، إلى عضو باللجنة الجهوية لحقوق الإنسان التابعة للمجلس الوطني لحقوق الإنسان من 2012 إلى 2020. هذا التراكم الحقوقي سيؤهله ليساهم في تأسيس عدة جمعيات ذات صلة بالمجال كالهيئة المغربية لحماية المال العام سنة 2001، وينتخب منسقا جهويا لشبكة “أناروز” والشبكة الوطنية لمراكز الاستماع للنساء ضحايا العنف بالمغرب، كما ساهم أيضا في تأسيس تنسيقيات الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية، وكذا في تأسيس جمعية شروق لإدماج النساء في وضعية صعبة. كما كان له شرف المساهمة في تأسيس مرصد العدالة بالمغرب الذي يراسه المناضل النقيب عبد الرحمان بنعمرو.
ومن جانب آخر، مكنته خبرته ومكتسباته في جمعية الإقلاع الثقافي، من أن يكون واحدا من مؤسسي جمعية حركة التويزة سنة 1993 والتي تعتبر أقدم جمعية لازالت تزاول أنشطتها بانتظام، والتي يرأس خالد مصباح مكتبها التنفيذي اليوم. كما ساهم أيضا في تأسيس جمعيات أخرى منها جمعية الشعلة للتربية والثقافة. والآن وكما يعلم ذلك كثير من المتتبعين، فخالد يرأس جمعية الرحامنة للخدمات الاجتماعية.
وبعيدا عن الجمعيات وقريبا من النضال الميداني المباشر، كان خالد مصباح حاضرا في كل الأنشطة الجماهيرية التي تنظمها أحزاب اليسار خاصة في الفضاءات المفتوحة، ومنها دار الشباب على وجه الخصوص، وعندما نتحدث عن الحضور، فإننا لا نعني الحضور الفيزيقي فحسب، بل نعني الحضور في الإعداد والتنظيم والمساهمة في النقاش وفي رفع الشعارات. كما أنه كان واحدا ممن لا يتخلفون عن كل الأشكال النضالية من وقفات ومسيرات في فاتح ماي وفي المناسبات المرتبطة بدعم الشعبين الفلسطيني والعراقي من خلال تلك المسيرات الضخمة التي كانت تشهدها عدة محاور من شوارع وساحات ابن جرير. لم يكن خالد ينحشر مع المحتجين مترددا أو خائفا، بل كان في الواجهة الأمامية ينظم ويحتج ويوجه رسائل التنديد جهرا بالاستبداد والفساد وفلوله الصغار هنا بالبلدة.
في 20 فبراير، انخرط خالد بكل جوارحه في الحراك في كل فتراته الصاخبة مطالبا بالجهر بما كانت تطالب به الحركة من حرية وكرامة وعدالة اجتماعية.
ولأن خالدا وغيره من المناضلين الذين لم يكونوا يبلعون ألسنتهم يوم تحمر عيون المخزن ومعه أوتاده الصدئة التي تسنده في البلدة، ولأنه كان لا يملك فما مرتجفا، ولأنه كان في عديد من اللقاءات مع ممثلي المخزن، لا يتردد في التعبير بلغة واضحة لا تلعثم فيها عن وجهة نظره التي لم تكن سوى وجهة نظر اليسار، فقد كان طبيعيا أن يتعرض للمضايقات التي تصل أحيانا إلى الاعتداء الجسدي والمتابعة القضائية.
لخالد تكوينه النفسي الخاص كما لكل واحد منا، ولخالد أسلوبه الخاص في الحديث الذي قد لا يستسيغه البعض كما لكل واحد منا أسلوبه الخاص في الحديث والفعل ورد الفعل، ولخالد “زلاته وخطاياه” كما لكل واحد منا، ولخالد مزاجه الخاص كما لكل واحد منا، ولخالد معجمه الخاص كما لكل واحد منا، إلا أن ما يحسب له أنه كان صادقا في مساره النضالي من جهة، وكان عصاميا في تكوينه الذاتي، من جهة ثانية، وكان مضحيا وملتزما ومترجما لما يعتبره قناعة، رغم الوضع الاجتماعي الذي عاشه خالد. فمن الصعب جدا أن يناضل أي واحد منا ويستميت في النضال ويعرض نفسه ووالديه للمخاطر النفسية والبدنية في غياب شروط الاستقرار الاجتماعي. والأهم من كل هذا وذاك، أنه في زمنه الشخصي النضالي الذي كنا قريبين منه، لم يستغل الإطار الذي ينتمي إليه ويناضل من داخله، لتحقيق بعض المنافع والامتيازات.
في الجلسات الحميمية الخاصة، شخصيا وغيري كذلك، لا أتمالك نفسي من الضحك من قفشات ومعجم خالد الأنيق المتأنق على الدوام حين يتحدث عن نخبة مجتمع ابن جرير التي يسميها ب La crème fraiche. أما حين يحدثك عن عالم الحشرات وشخصيات Les minables في رواياته الافتراضية، فتلك حكاية أخرى. خالد لا يستسيغ أن يبقى المناضل اليساري “مشحتتا” “مشروطا” لا يقبل على الحياة ومباهجها، كما كان لا يستسيغ أن يكون المناضل من قبيلة اليسار “اللايت”.

(في الصورة الجماعية، يبدو خالد مصباح الأول من يسار الصورة، بمناسب استضافة المناضل الفقيد أحمد بنجلون في نشاط جماهيري مفتوح بدار الشباب).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى