سياسيةوطنية

تبون على خطى بوتفليقة في بناء مشروعية داخلية عبر مورد العداء للمغرب

عبدالرحيم المنار اسليمي*

بات من الواضح أن ورثة عبدالعزيز بوتفليقة  لن يستطيعوا حكم الجزائر دون إعلان العداء للمغرب، فالمتتبع لخطابات الرئيس عبدالمجيد تبون وبيانات وزارة خارجيته يلاحظ أن ورثة بوتفليقة يحاولون في بداية حكمهم إعادة ترسيخ عقيدة العداء للمغرب وسط شارع جزائري يستمر في الخروج للأسبوع التاسع والأربعين على التوالي، طاعنا في شرعية انتخاب عبدالمجيد تبون ورافعا مطلب الانتقال من الدولة العسكرية الى الدولة المدنية ،وبقدر ما يتواصل هذا الضغط الكبير يعيد تبون بناء قاعدة المغربي حاكم الجزائر سابقا عبدالعزيز بوتفليقة القائمة على صناعة العداء للمغرب.

تبون لا يدرك أن نهاية المشروعية التاريخية في الجزائر قتلت عقيدة العداء للمغرب

بات العديد من الجزائريين يدركون جيدا أن مغاربة الجزائر الذين حكموهم ورطوا الدولة بكاملها لأسباب شخصية ونفسية في العداء للمغرب و على رأسهم عبد العزيز بوتفليقة المجهول المصير منذ نقله لسويسرا في غشت 2018، ورغم ذلك لم يجد عبدالعزيز تبون ورقة أخرى ينقذ بها حكمه، الذي يحمل مؤشرات الانهيار منذ إعلان” لجنة شرفي”  عن نتائج الانتخابات، غير ورقة الهجوم على المغرب باختيار مناسبة تنصيبه وحواراته مع صحفه الوطنية، بل أنه دفع وزير الخارجية صبري بوقادوم  إلى صناعة بيان كلما أعلن المغرب عن فتح قنصلية جديدة في العيون والداخلة ، فالجزائريون يتابعون هذا المشهد ،ويدركون أن المسألة مرتبطة بقضية بناء مورد للمشروعية بعد نهاية المشروعية التاريخية باغتيال القايد صالح، فلا تبون ولا شنقريحة قادران على مخاطبة الجزائر بمورد المشروعية التاريخية أمام جيل من الجزائريين شعر بالاحتقار ونخبه السياسية تُكرم صورة بوتفليقة منذ سنة 2013  وتصرح أنها ستصوت على بوتفليقة ولو في القبر، وهي العبارة التي يجب أن ينتبه إليها الجزائريون لأن الذين رددوها كانوا يعرفون أن بوتفليقة ميت، وأن القايد صالح وسعيد بوتفليقة وأويحيى والمجلس العسكري حكموا الجزائريين لأزيد من سنة ونصف باسم رجل مجهول المصيرويجد شنقريحة وتبون صعوبة اليوم في لفت انظار الجزائريين للحظة بداية تجاوز مشاكل الشرعية وبناء مشروعية تمثل في مخيال الجزائريين  بعيدة عن التاريخ، فيجدون أمامهم قاعدة بوتفليقة والجيش القائمة على العداء للمغرب، ولا ينتبهون إلى أن دعوات المغاربة بالحوار وفتح الحدود قد خلقت رأي عام جديد في الجزائر يصعب حكمه بلعبة سياسية قائمة على مهاجمة المغرب عبر بوابة دعم مليشيات البوليساريو، ذلك أن خروج عمار سعداني في الشهور الماضية عرى بوتفليقة ومحيطه وقادة الجيش لما أشار إلى أن الصحراء مغربية، وأن الجزائر صنعت النزاع وصنعت البوليساريو ومولته من ميزانية الجزائريين، لذلك فخروج عمار سعداني ليس عاديا، لأنه ينتمي إلى محيط صانعي القرار وإلى جماعة عنابة المرتبطة بالقايد صالح، فالأمر قد يكون تم بإشارة من القايد صالح لترتيب وضع جديد كان محتملا لو استمر القايد صالح.

قضية مشروعية تبون  وقضية من يتحمل مسؤولية صناعة البوليساريو

ويبدو أن الرئيس الجديد عبدالمجيد تبون وريث عبدالعزيز بوتفليقة يواجه جانبا خطيرا من الإرث الذي تركه الرئيس السابق المجهول المصير، ذلك أن القضية لن تعد اليوم لدى فئات واسعة من الجزائريين هي صناعة البوليساريو، بل أكثر من ذلك المبالغ الكبرى التي صُرفت على قيادة مليشياته والتي وصلت حسب بعض التقارير الى ما يناهز 500 مليار دولار لحد الشهور الأخيرة قبل انطلاق الحراك، ذلك أن الرئيس الجديد الذي هاجم المغرب وتمسك بمليشيات البوليساريو لم ينتبه الى أن قضية استرجاع اموال الجزائريين الضائعة تشمل ضمنها مبلغ 500 مليار المرتبط بقيادات البوليساريو، أضف إلى ذلك أن تصاعد الاحتجاجات في المخيمات للكشف عن مجهولي المصير يجعل مسؤولية تبون وحكومته قائمة، فما صنعه بوتفليقة وتوفيق والقايد صالح طيلة العشرين سنة الماضية يرثه اليوم عبد المجيد تبون الذي لم ينتبه وزير خارجيته، وهو يصيغ بيان الهجوم على السيادة المغربية بخصوص فتح القنصليات الإفريقية في الداخلة والعيون، أنه رسّم السلطات الجزائرية محل البوليساريو، فتبون وبوقدومة قاما في الواقع بتكريس وضع الجزائر كطرف مباشر في نزاع الصحراء، ولن يكون بإمكانهم الهروب مستقبلا، لقد كان أمامهم أحد الخيارين لتشتيت أنظار الحراك المتواصل: إما لعب ورقة العداء للمغرب ودعم البوليساريو ، وهي الورقة التي لم يحسبوا تكلفتها جيدا وستكون لها انعكاسات سلبية على الوضع الداخلي والاقليمي للجزائر ، وإما لعب ورقة فتح الحدود مع المغرب، ليس لصالح المغرب كما يدعون، ولكن لصالح تبون نفسه الذي كان من الممكن أن يلعب هذه الورقة ليتحرر من جزء كبير من الجزائريين خاصة الموجودين في الغرب الذين يعتبرون أن نظام القايد صالح السابق كان فيه تمييز للشرق على الغرب: حدود مفتوحة مع تونس في الشرق ومغلقة على ساكنة الغرب مع المغرب، لأن الغرب الجزائري يتحمل تكلفة القرب من الانتماء الجهوي لعبدالعزيز بوتفليقة.

*رئيس المركز الأطلسي للدراسات الاستراتيجية والتحليل الأمني

manarslimi@yahoo.fr

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى