جهويةقضايا المحاكممجتمع

هذا موقف الشرع والقانون من قضايا إفراغ المرأة المطلقة والأبناء من المسكن

الانتفاضة 

هيلان محمد

على إثر قضية إفراغ إحدى السيدات وبناتها من مسكن، وذلك بعد ان باشر طليقها دعوى قضائية انتهت بصدور حكم قضائي ألزمها الافراغ من المنزل بتسخير القوة العمومية، مما أثار استياء عدد من فعاليات المجتمع المدني والحقوقي، وتعاطف الجيران والأهل والأقارب وتطرق البعض من ممثلي المنابر الإعلامية المحلية بالصويرة لهذه الواقعة.

وقد كان لزاما علينا التطرق لهذا الموضوع، ومحاولة منا وضع رؤية للمتتبعين من مختلف الزوايا، وأخذ رأي العديد من المتدخلين للوقوف على ما يجب ان يتم في مثل هذه القضايا التي تعتبر من الحالات الإنسانية، لكن بعيدا عن تغليب كفة على الأخرى، او التعصب لجهة دون غيرها،
او إقحام وجهة نظر خاصة.

وإن اول ما قمنا به للبحث في هذا الموضوع هو الإتصال والتواصل مع الأستاذ هشام الناصري، حاصل على شهادة الإجازة ومتخصص في قانون الأسرة والفقه المالكي، وإمام مسجد القصبة العتيق بالصويرة، تواصلنا معه لأخذ رأيه في النازلة من الناحية الدينية والقانونية، وسألناه هل يجوز او يحق للزوج طرد ابنائه وزوجته من مسكنهم ؟

أجاب الإمام هشام الناصري بما يلي :

إن المشرع عند إعادة تنظيمه لمقتضيات الحضانة ضمن أبواب مدونة الأسرة، جاء بمستجدات ضمنها المادة 168 والتي تنص على أنه : “تعتبر تكاليف سكنى المحضون مستقلة في تقديرها عن النفقة وأجرة الحضانة وغيرهما، ويجب على الأب ان يهيأ لأولاده الصغار محلا لسكناهم، أو أن يؤدي المبلغ الذي تقدره المحكمة لكرائه مراعية في ذلك أحكام المادة 191 بعده.
ولا يفرغ المحضون من بيت الزوجية إلا بعد تنفيذ الأب للحكم الخاص بسكنى المحضون، وعلى المحكمة ان تحدد في حكمها الإجراءات الكفيلة بضمان استمرار تنفيذه هذا الحكم من قبل الأب المحكوم عليه”

وقد أوضح الأستاذ هشام الناصري مشيرا الى انه جاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ” اما السكنى فمذهب المدونة الذي به الفتوى أنها على الأب للمحضون والحاضنة معا، ولا إجتهاد فيه، وقال سحنون سكنى الطفل على أبيه وعلى الحاضنة ما يخص نفسها بالاجتهاد فيها، أي فيما يخص الطفل وما يخص الحاضن وقيل توزع على الرؤوس “.

وقد ختم الإمام الناصري انه على العموم تجب السكنى للزوجة في حالة اذا كان الطلاق طلاقا رجعيا غير البائن، ولا يحق للزوج طرد الزوجة، والطلاق الثلاث وهو البائن اذا كان لهما أبناء صغار، فتجب عليه السكن او الكراء مدة الحضانة وفق قانون الأسرة والفقه المالكي.

وقد اتصلنا ايضا بالسيد عزيز الشعيبي الصفريوي بصفته رئيسا لجمعية المركب الإجتماعي ابتسامة بالصويرة هذه المؤسسة المعروفة لإيوائها نساء في وضعية صعبة، وسألناه حول إمكانية استقبال نساء مطلقات بعد افراغهن من مسكنهن فأجاب بما يلي :

في إطار ما يخوله لنا القانون وبحكم المهام الموكولة للمركب الإجتماعي ابتسامة فقد سبق وإستقبلنا العديد من النساء اللواتي صدر في حقهن حكم قضائي يقضي بإفراغهن من السكن، وقد سبق وإستقبلنا سيدة رفقة خمس من أبنائها وقمنا بإيوائها رفقة ابنائها الخمسة الى ان تتأهل من أجل الإعتماد على نفسها.
وقد اكد السيد عزيز الشعيبي الصفريوي ان في مثل هذه القضايا لا يتطلب من النساء الا طلب مهن والجمعية تقوم بتبني قضيتها والدفاع عنها في حالة استمرار القضية المعروضة على أنظار القضاء.

ومن أجل فهم اكثر وتوسيع النقاش في هذا الموضوع، إتصلنا بالصحفي المهني، الحاج محمد سعيد مازغ، عضو المجلس الوطني للصحافة بالمغرب، ورئيس النقابة للصحافة الإلكترونية بجهة مراكش أسفي، وقد اخبرنا بما يلي :

بداية لا بد من الإشارة إلى أنه إذا ساءت العلاقة الزوجية، واستحال العيش تحت سقف واحد، على الطرفين ضبط النفس، والسعي إلى حل المشاكل بعيدا عن توظيف الأبناء في معركة الزوجينش، والأخذ بالاعتبار أن السلوكات الطائشة التي تصدر عن هذا الطرف أو ذاك تنعكس سلبا على الحالة النفسية للأبناء هذا من جهة.

من جهة أخرى وجب الإشارة الى ان الطلاق في المغرب يخضع لسلطة القضاء، وذلك من أجل صون العلاقات الزوجية ووقايتها من أي سوء معاملة، ومن أجل ضمان حقوق الزوجة المطلقة والأطفال.

وإنهاء عقد الزواج يخضع بالتالي للشروط المنصوص عليها في مدونة الأسرة.

وفي الجانب الديني فالإسلام يحث على حسن المعاملة في قوله تعالى :” وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ” ، كما لا يخفى أن الطلاق يأتي كمرحلة أخيرة، بعد أن يستنفد قاضي الأسرة كل محاولة للصلح .

وبالنسبة لهذه القضية ،ارى من جهتي أن الأطراف الخارجية تتعامل مع النازلة من باب العاطفة، فهي تحكم بناء على تدخل السلطات المحلية بطرد الزوجة والأبناء من المسكن، وهو مشهد مؤثر، يدعو إلى الشفقة، وإلى إعلان التضامن مع هذه الاسرة، خاصة أن المشتكي هو الأب، و المشتكى بها الزوجة وضمنها الأبناء، ولكن ينبغي أيضا ومن باب الإنصاف الاطلاع على حيثيات الحكم الصادر عن القاضي، ولا أستبعد أن المحتجين تغيب عنهم مجموعة من المعطيات التي اعتمدت قبل إصدار حكم الافراغ.

وأعتقد أن «الشقة» بنص القانون من حق الزوجة الحاضنة لحين إنتهاء حضانتها، وليس للأبد وتنتهى الحضانة ببلوغ الصغير أوالصغيرة سنا معينا، وإذا أراد الزوج المطلق الإحتفاظ بمسكن الزوجية لنفسه فعليه أن يوفر لمطلقته الحاضنة وأولاده منها مسكن شرعى مستوفى لكافة الشروط الشرعية والملائمة لحالته الإجتماعية ويصلح للسكن، أو تخول محكمة الأسرة للمرأة الحصول على أجر مسكن بديل لمسكن الحضانة.

وفي غياب العديد من المعطيات، وغياب الاستماع لكل طرف على حدة، يبقى حكمنا على النازلة تحكمه العاطفة، وقد يسقط في مطب الانحياز غير مبني على الحقائق والأدلة الدامغة التي اعتمدها قاضي الأسرة قبل نطقه بحكمه بالافراغ، وأصدار الأوامر بطرد الأسرة بالقوة.

و في نفس السياق، وبإستقراء ما جاء في بحث الأستاذ حساين عبود قاض بالمحكمة الابتدائية بميدلت والذي أشار بحثه القيم الى ما يلي :

يشكل الزواج حالة اندماج وامتزاج بين الرجل والمرأة، وأعمق رابطة بينهما، يتولد عنها ارحب إطار لتبادل العلاقات الإنسانية بسكون كل واحد منهما إلى الآخر، واطمئنانه إليه على أساس من المودة والإخلاص في السر والعلن، ومهما بلغ حرص القانون على استتباب ديمومته، وتوطيد أركان الأسرة التي تنشأ عنه وتأمين المناعة لها ضد العواصف، فانه قد يظهر أن مسيرة الحياة المشتركة تعترضها عقبات ناشئة عن استحكام الخلاف والتباغض بين الطرفين. وتأسيسا على ذلك فان ديمومة رباط الزوجية لا يجب أن تكون قيدا لا سبيل للفكاك منه، لان إرغام الزوجين على البقاء في ظلالها والاستمرار على الحال الآنف الذكر، أمر شاق لا تتحمله الطبيعة الإنسانية وهو من باب التكليف بما لا يطاق. لذلك كان لزاما اتاحة إمكانيات للتخلص من قيد الزواج متى استحكم التشاحن والتنافر وغابت المعاشرة بالمعروف والسكنية. وحال قيام الزوجية، فان المساكنة بين طرفيها نتيجة طبيعية لعقد الزواج، ويكون ذلك ببيت الزوجية الذي يقع على الزوج من حيث الأصل إعداده وتهيئته وتأثيته، وعندها يقاسم الأبناء والديهما المسكن، ويكون أمر حضانتهم موكول إليهما معا في إطار مسؤولياتهما المشتركة لرعاية شؤون الأبناء. أما بحصول الفرقة طلاقا أو تطليقا فان هذه المسؤولية المشتركة تنتهي، وتمتد التداعيات إلى الأبناء الذين تصير رعايتهم موزعة بين المتفارقين حسب الأدوار، ويستأثر أحدهما أو غيرهما من الحواضن بحضانة الأبناء ويتولى الأب الولاية عليهم. ومقتضيات الحضانة بالجملة، الاعتبار فيها لمصلحة المحضون الفضلى، وما يحقق النفع له وهو ما استوجب إسنادها إلى من يشفق عليه ويتحمل المشقة في إرضائه ويألفه خاصة في الطور الأول من حياته الذي تنطبع تفاعلاته في ذهنه، ويكون لها بالغ التأثير في رسم ملامح شخصيته. وليس بالأمر الغريب أن نجد الشريعة الإسلامية تدعو الى البر بالوالدين والإحسان إليهما وجعل ذلك مقرونا بعبادة الخالق لقوله تعالى “وقضى ربك الا تعبدوا الا اياه وبالوالدين احسانـا”.

ومقابل ذلك لا نجد دعوة صريحة إلى الاعتناء بالأبناء بنفس الإلحاحية والتأكيد، لتعلق الأمر بغريزة فطرية جبل عليها الخالق خلقه، حتى بالنسبة للعجم من الحيوان، وتعكس الحضانة مظهرا من مظاهر ايلاء العناية للطفولة لكفالة أسباب التنشئة السليمة لها، لان الطفل لبنة صغيرة عاجز عن القيام بشؤونه، ويحتاج إلى خدمة خاصة تناسب أطوار حياته، وتستوجب المشقة والتعب والتحمل من جانب، والإشفاق والمؤانسة من جانب آخر.

وأخيراً وفي صلب الموضوع، أكد الأستاذ لحساين عبود أنه إذا اختارت المطلقة قضاء عدتها ببيت الزوجية ولا أولاد لها، اعتبرت محتلة بدون سند شرعي بمجرد انقضاء عدتها.
– إذا كان لها مع المطلق ولد أو اكثر تجب نفقتهم عليه ولم يمكنها من السكن أو مقابله فلا مسوغ للحكم بالإفراغ.
– إذا كان القاضي قدر لهم النفقة الشاملة للسكن ومن غير نزاع استجيب لطلب الإفراغ لأنه لا يقضي للطالب بالحق مرتين.

وتجدر الإشارة إلى أن هذا التباين كان ملحوظا على صعيد قضاء الموضوع، وحتى على صعيد القضاء الإستعجالي، فكانت بعض الأوامر تستجيب لطلب الإفراغ المؤسس على كون المفارقة الحاضنة محتلة دون سند، والبعض الآخر يتمسك بعدم الاختصاص لان إثارة الحضانة سيفضي إلى مناقشة الأحقية في الحضانة والمساس بالموضوع. والاختلاف يجد أساسه في الفراغ التشريعي وتباين أراء الفقه المالكي الذي كان يمثل المرجعية التكميلية التي يستقي منها القضاء أحكامه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى