السلطة الرابعة

نص الكلمة التي قدمها رئيس جهة فاس مكناس محمد الانصاري في ندوة فدرالية الناشرين بفاس

الانتفاضة

بداية لا يسعني إلا أن أتقدم بجزيل الشكر إلى السيد نور الدين مفتاح ، وإلى أعضاء الفيدرالية المغربية لناشري الصحف ، على الدعوة الكريمة لحضور فعاليات هذه الجلسة الافتتاحية ، والمشاركة في الندوة الفكرية التي اخترتم لها موضوع : ” بين حوار وصدام الحضارات : هل يتحول إذكاء النزاعات إلى أصل تجاري لوسائل الاعلام ” وهي فرصة سانحة لأرحب بكم جميعا في جهة فاس مكناس ، مشاركين وأساتذة محاضرين متمنيا لكم النجاح والتوفيق . إن عقد هذه الندوة الفكرية ، وبهذا الموضوع ، في رحاب مدينة فاس العالمة ، له أهمية خاصة ، ة ، باعتبارها من حمة ، العاصمة الروحية والثقافية للمملكة المغربية ، ومن جمة ثانية ، فقد ظلت مدينة فاس على مر السنين ، أرضاً للحوار ورمزا للتسامح والتعايش ، واشاعة القيم الروحية .

ويشكل موضوع حوار وصدام الحضارات ، من المواضيع التي أفاضت الكثير من الحبر ، وتلاقحت فيها أقلام وأفكار المفكرين والباحثين من مختلف بقاع المعمور ، ومن مختلف المشارب العلمية والأيديولوجية ، وبالموازاة مع ذلك ، فهو من المواضيع المتجددة التي نعايشها بشكل يومي ، فإن لم يكن ضمن مقترب الدراسة والتحليل ، فعن طريق التعايش ، بين مجموعات بشرية من جنسيات مختلفة ، بل ومن ديانات مختلفة ، ومن ثقافات وإيديولوجية متمايزة ؛ تعيش وتتعايش في مكان واحد .

وقد أصبح هذا التمظهر ، النمط السائد في عالم اليوم ، عالم يغلب عليه التنوع ، وينشد التكامل ، عالم تسمو فيه قيم التعاون والتضامن والتسامح ، بعيدا عن اعتبارات الهوية والثقافة والمعتقد . ونظرا ، لأهمية هذا التوجه ، فقد حظي باهتمام كبير من الدول والمؤسسات والهيئات الدولية ، حيث تم تأسيس تحالف الحضارات عام 2007 م ، وهو يعمل تحار بالتعاون مع الدول والمنظمات والهيئات الدولية والإقليمية ، ومؤسسات المجتمع المدني ، وقطاع الأعمال ، على حشد الجهود الموحدة بهدف تعزيز العلاقات الثقافية المشتركة بين الأمم والمجتمعات المختلفة .
ويعد المغرب ، من بين الدول المؤسسة لهذا التحالف ، وقد بذلت العديد المساعي ، وتم القيام بجهود كبيرة ، في سبيل تحقيق أهدافه ، سواء عبر إعداد خطة عمل وطنية لتحالف الحضارات من طرف السلطة الحكومية المكلفة بالشؤون الخارجية ، أو بالأدوار التي قامت بها ولا زالت . ولا زالت من أجل تعزيز قيم السلم والسلام .

وقد انبنت الخطة التنفيذية التحالف الحضارات على أربعة مجالات تهم ، ولى ومن لنمو الشباب والتعليم والهجرة والإعلام ، حضرات السيدات والسادة لقد أضحى الإعلام اليوم يشكل آلية أساسية في بناء السلام وتكريس قيم الحوار والعيش المشترك ، بما يلعبه من دور مهم في هذا الجانب ، بل يمكن القول وبدون أي مبالغة ؛ أن الخطاب الإعلامي اليوم يتصدر كل الخطابات المؤثرة في المجتمعات ولدي الشعوب ، بل وحتى لدى الكثير من صانعي القرار على المستوى العالمي ، لأننا أصبحنا أمام صناعة مكتملة الأركان والعناصر ، من منتجين للخطاب الإعلامي ، ومستهلكين له ، ومروجين وغيرهم … وهو الأمر الذي تأتى بفضل تطورات کبری ساهمت فيها أقلام ومنابر صحافية مرموقة ، بقدر ما سا ما ساهمت فيها أيضا التطورات العلمية والتكنولوجية ، واتساع مساحة الحرية، وأنكا الحجم من الاستئارات الضخمة التي يتم ضخها في هذا القطاع .

وإذا كانت هذه الملاحظة تصدق على الدول المتقدمة ، فإنها تصدق أيضا ولو بشكل نسبي على الدول الصاعدة ، التي أصبح الإعلام بمختلف أشكاله وأنواعه ؛ مؤثرا فيها ومتأثرة به بشكل متفاوت . الكبير هذا الواقع الجديد جعل من عالمنا بالفعل قرية صغيرة ، والخبر والمعلومة والرأي ، يمكن أن أقول أنها أضحت أكثر الأشياء تداولا ، بدون قيود ، لا جغرافية ولا ثقافية ولا حضارية ولا لغوية . إننا اليوم وكأننا أما سباق إعلامي دولي جديد توظف فيه جميع الوسائل والإمكانيات من أجل أهداف مختلفة بل ومتناقضة في الكثير من الأحيان . وإذا كان هذا التطور التاريخي يعد مكسبا حضاريا كبيرا جدا ، لا يمكن أبدا قياس تأثيره الكبير على تطور الحياة اليوم ، فإن هناك وجه آخر يضع بعض وسائل
الإعلام في قفص الاتهام ، على خلفية أشكال من التلاعب بالرأي العام ، ليس فقط من قبل أنظمة منغلقة ، بل يتم ذلك حتى من طرف أنظمة ديمقراطية بتواطؤ مع مؤسسات إعلامية لغايات سياسية ضيقة . بل إن منها من بدأت تلعب دور التأجيج والتحريض ، الذي اضطلع به بعض الفاعلين في هذا القطاع الحيوي ، إبان العديد من النزاعات المسلحة وغير المسلحة ، من خلل ممارسة التضليل ، وترويج الإشاعة ، وتأجيج الخلافات ، والتحريض على العنف ، وترسيخ خطاب الكراهية ، والنزعات العرقية ، والسياسات الإقصائية ، والأفكار المتطرفة ، حيث كان الخبر المضلل والخطاب المحرض ، إما سببا في حروب دامية ونزاعات ، أو سببا في استدامتها ، أو توسيعها أو تطويرها ، من خلال آلة كبرى تستعمل كل الأساليب لغايات غير نبيلة .

ولنا أن نتصور كيف يمكن لبعض الإعلام أن يلعب هذه الأدوار المتناقضة والمختلفة في عالم مطبوع بصراع الحضارات ، لم يعد هاجسه السيطرة على ما هو عادي ، بل تعداه إلى الهيمنة على ما هو رمزي ، من منطلق سيادة خطاب التفوق والتحكم . حيث يخدم بعض الإعلام أهداف وغايات لا تخفى على المتتبع الحصيف ، بفضل قوة الآلة الإعلامية الرهيبة التي تستعمل في هذه النزاعات ، والاستغلال غير الأخلاقي لعدد من الرموز الحضارية ذات القيمة الكبرى لدى الشعوب والدول .

حضرات السيدات والسادة من هذا المنطلق ، انبثقت نقاشات دولية حول الرهان على زرع : ثقافة السلام والحوار بين الحضارات ، والعيش المشترك ، والاعتراف المتبادل ، ما يقتضيه ذلك من استثار في نجاعة الإعلام والسعي إلى توجيه قوة تأثيره نحو دعم مسارات الحوار البناء، وخدمة قضايا التنمية السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمعات ، بوسائل سلمية تحفظ السلم والانسجام بين القوى والشرائح المكونة للمجتمع ، يحدث خلالها الخطاب الإعلامي أثرا إيجابيا في المجتمع . ومن هذا المنطلق ، فإننا مدعون جميعا ، كل من موقعه ومسؤوليته ، إلى الإسهام في تعزيز الوعي الإعلامي لمحاربة التصورات المخطئة ، والأحكام المسبقة ، والخطاب المحرض على الكراهية ؛ وكذا تثمين جمود الصحافة الموضوعية والمحايدة ، التي ترتكز في أداء واجبها المهني على مبادئ وأخلاقيات المهنة ، باعتبارها رافعة
أساسية ودعامة مهمة ، في التصدي ومواجحة الشائعات ، التي يتعرض لها الرأي العام ، من وسائل إعلام تغذي هذه الأخبار الزائفة والمغلوطة .

وسيمكن هذا العمل ، من تثمين جمود بلادنا في تعزيز التلاقح الثقافي ، ودعم تنوع روافد الهوية ، بما تتميز به من عنى مكوناتها . خاصة وأن المغرب يعطي المثال دوما ، في الحد من فتيل النزاعات والصراعات ، سواء على الصعيد الإفريقي أو الشرق الأوسطي ، بل وحتى العالمي .

وفي الختام ، أغتنم هذه المناسبة السعيدة ، لأثني على جمود الساهرين على تنظيم هذه البادرة المهمة ، وأهنئكم مسبقا على نجاحها ، وأجدد شكري مرة أخرى السيرا و وللحضور الكريم ، راجيا من الله العلي القدير أن يوفقنا جميعا لما فيه الخير لبلادنا ، تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده . والسلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته .

جريدة الانتفاضة

بين صفحاتها للكل نصيب ترى أن التحاور مع الآخر ضرورة وسيجد هذا الآخر كل الآذان الصاغية والقلوب المفتوحة سواء التقينا معه فكريا أو افترقنا ما دمنا نمتلك خطابا مشتركا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى