ثقافة و فنكتاب الآراء

من طرائف الخط

الانتفاضة 

د. محمد البندوري

بحكم ممارستي لفن الخط العربي وكذلك ممارسة البحث في أغواره، فإني أقف على العد يد من الأحداث والطرائف التي تحدث بسبب ضعف جمال الخط أو التصحيف فيه أو تحريفه

وقد عرف السيوطي التصحيف موردا قول المعري:” أصل التصحيف أن يأخذ الرجل اللفظ من صحيفة ولم يكن سمعه من الرجال فيحرفه عن الصواب، وقد وقع فيه جماعة من الأجلاء من أئمة اللغة وأئمة الحديث حتى قال الإمام احمد بن حنبل: ومن يعرى من الخطأ والتصحيف.” حتى قال العسكري:” وقد فضـح بالتصحيف خلق من أهل الأدب.”

وقيل:” يأتي التصحيف لمعان ثلاثة: ” أحدهما تحريف اللفظ عن موضعه جهـلا، والخروج به عما أراده كاتبه ضلالا، وقراءته على الصحيفة قراءة خاطئة، وذلك   كأن تجعل الجيم خاء، وأن تصير الغين عينا، وكأن تحول الراء زايا، وتبدل الشين سينا، فيقرأ الشكر سكرا، والربيب زبيبا، والغنة عنة، والجزء خرءا، وما أشبه ذلك من الخطأ والجهالة.” وقد :” حكوا عن حنين بن اسحاق المترجم أنه كان يتحرز منه أشد التحرز عند كتابة أسماء العقاقير خشية أن يغلط في قراءتها، فكان مثلا يكتب (السعتر) بالصاد حتى لا يتصـحف على القارئ فيقرأ (الشعير). وذكر احـمد الشرقاوي اقبال :” والمثل السائر في سوء التصحيف هو ذلك المتطبب المسمى توما الحكيم، والذي وقف على قول الرسول عليه السلام 🙁 الحبة السوداء، شفاء من كل داء) فصحف الباء ياء ، وركب علاجا على ذلك التصحيف فأدخل ذات السم في عمل الدواء، وفيه يقول القائل:وقال:” أبان اللاحقي يهجو العشيبي وعد تصحيفات له:                                          وفي يوم صفين تصحيفـــة       **    وأخرى له في حديث الكلاب

  كتصحيف فيض بن عبد الحميد **  في “حية الأرض” أو في الذباب

وإن كنت أشهد في بعض المخطوطات أو في المأثورات العربية الإسلامية على نزاهة الخط وجماله، فإني في الآن نفسه أجد بعض الكُتّاب الذين يصحفون في الخط يتسببون في كوارث إنسانية صعبة للغاية. منها هذه القصة مثلا:

أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ حَمَّادِ بْنِ إِسْحَاقَ، قَالَ: كَتَبَ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ إِلَى ابْنِ حَزْمٍ: “أَنْ أَحْصِ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُخَنَّثِين. أي احصهم بالعدد. فَصَحَّفَ كَاتِبُهُ، فَكتب: اخْصِ مَنْ قَبْلَكَ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ. فقرأوها: أخص. قَالَ: فَدَعَاهُمْ فَخَصَاهُمْ، وَخَصَى الدَّلالُ فِيمَنْ خَصَى. قَالَ حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ، فَحَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: مَرَّ الْمَاجِشُونُ بِابْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، فَصَاحَ بِهِ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ: أَخَصْتُمُ الدَّلالَ، أَمَا وَاللَّهِ لَقَدْ كَانَ يُحْسِنُ: لِمَنْ رَبْعٌ بِذَاتِ الْجَيْشِ أَمْسَى دَارِسًا خَلَقًا. قَالَ ابْنُ جُعْدُبَةَ: فَقُلْتُ لِكَاتِبِ ابْنِ حَزْمٍ: زَعَمُوا أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ أَنْ أَحْصِهِمْ، فَقَالَ: يَا ابْنَ أَخِي عَلَيْهَا وَاللَّهِ نُقْطَةٌ، إِنْ شِئْتَ أَرَيْتُكَهَا قَالَ: وَقَالُ الأَصْمَعِيُّ: عَلَيْهَا نُقْطَةٌ مِثْلُ سُهَيْلٍ، وَزَادَنِي غَيْرُ أَبِي فِي الْحِدِيثِ، قَالَ: فَقَالَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُخَنَّثِينَ لَمَّا اخْتَلَفُوا فِي الْحَاءِ وَالْخَاءِ: لا أَدْرِي مَا حَاؤُكُمْ وَخَاؤُكُمْ، قَدْ ذَهَبَتْ كَذَا مِنَ الْحَاءِ وَالْخَاءِ.

لقد تشظى قلم الكاتب فوقعت نقطة على ذروة الحاء فأصبحت خاء، فلما ورد الكتاب المدينة ناوله “ابن حزم” كاتبه فقرأ عليه: اخصِ المخنثين. فتقدم الأمير في إحضارهم، ثم خصاهم، وهم: طويس، ودلال، ونسيم السحر، ونومة الضحا، وبرد الفؤاد، وظل الشجر، فقال كل واحد منهم عند خصائه كلمة سارت عنه:

فأما طويس فقال: ما هذا إلا ختان أعيد علينا

وقال دلال: بل هذا هو الختان الأكبر

وقال نسيم السحر: بالخصاء صرت مخنثاً حقا

وقال نومة الضحا: بل صرنا نساء حقا

وقال برد الفؤاد: استرحنا من حمل ميزاب البول

وقال ظل الشجر: ما يصنع بسلاح لا يستعمل

وكان من بين هؤلاء كذلكنافذ أبو يزيد وهو ممن خصاهم ابن حزم الأنصاري أمير المدينة في عهد سليمان بن عبد الملك بن مروان، فعاش منكمشا حزينا لا يستطيع رؤية أحد من الناس.

وقيل إن بعضهم قد هرب لما سمع بأن الحاء أصبحت خاء وأنه سيخصى فعمل ما في جهدهليفر إلى الصحراء خشية العار والفضيحة والظلم.

قالوا: وكان يبلغ من تخنث دلال أنه كان يرمي الجمار في الحج بسكر سليماني مزعفراً مبخراً بالعود المطري، فقيل له في ذلك، فقال: عندي يد فأنا أكافئه عليها، قيل: وما تلك اليد؟ قال: حبب إلي أَلْأَبَنَة….” وأَلْأَبَنَة هي ممارسة الجنس الشرجي

    ومعنى ما سبق باختصار أنه كان في المدينة المنورة ستة من المخنثين في زمن الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك بن مروان، راحوا ضحية خطأ سببته نقطة زيدت فوق حرف، إلا أن سماتهم الطيبة من جمال الروح وخفة الظل التي كانوا يتسمون بها قد تحولت إلى حزن دائم، خاصة وأن الناس قد جعلوا من هذه الحادثة طرفة أصبحت متجذرة في التاريخ، والتصقت بالتصحيف في الخط، يضحك بها وعليها كل من عثر عليها في مأثورات العرب. خاصة وأن أنفة العربي ورجولته لا تسمح له بأن يتقبل أو أن ينعث بالمرأة، ومن الناس من أطلق عليهم: العابرات جندريا. وهي كنية على تشبيههم بالنساء.

فبقدر ما بهذا الحدث من طرفة مضحكة، بقدر ما هو محزن ومقرف. والسبب نقطة صغيرة في الخط العربيا

لمراجع: ا

أحد أئمة الحديث في عصره وهو صاحب المسند3

355 المزهر للسيوطي ج2 ص353 وورد في شرح الرضى على الكافية ج4 ص 137 ومغني اللبيب ج1 ص11 وشرح ابن عقيل ح2 ص39 

شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص 183

359في اللغز وما إليه – التصحيف – احمد الشرقاوي اقبال مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الاولى 1407هـ – 1987ص 653

360 في اللغز وما إليه – التصحيف – احمد الشرقاوي اقبال مطبعة النجاح الجديدة الدار البيضاء الطبعة الاولى 1407هـ – 1987ص 66 

هو أبو عبد الرحمن محمد بن عبيد الله بن عمر بن معاوية بن عتبة بن أبي سفيان القرشي3

365 أصيب أنف عرفجة بن أسعد يوم الكلاب يعني ماء اقتتلوا عليه في الجاهلية (مسند الإمام احمد بن حنبل المجلد الخامس دار إحياء التراث العربي 1414هـ 1993م الحديث 19759 حديث عرفجة بن أسعد) 

شرح ما يقع فيه التصحيف والتحريف ص

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى