كتاب الآراء

صونا لكرامة وحقوق عون السلطة من رتبة “مقدم”،

الانتفاضة

بقلم محمد السعيد مازغ 

بعد ثلاثين سنة ويزيد من العمل صيفا وشتاء، في المناسبات وغيرها، يلوح شبح التقاعد، ويحلم عون السلطة، الحلقة الضعيفة في ترتيب السلطة المحلية ، وإن شئت الحائط القصير المتعدد التخصصات، الموكولة له العديد من المهام، الظاهر منها والمرموز، اليسير منها، والمعقد، يحلم بتقاعد مريح، يستريح فيه من الجولات التفقدية، و تستريح أذنه من النداءات والأوامر و رنين الهواتف التي تكاد لا تتوقف، سواء التي تأتي من المواطنين الذين تقضى حاجاتهم الإدارية على يد المقدم، او في إطار العمل اليومي الروتيني وارتباطه بالمسؤولين الإداريين.وفي ظل تلك المشاغل والمهام، تغيب المطالب المشروعة الخاصة بالحماية الاجتماعية، والتغطية الصحية، والزيادة في الأجور، و الترسيم ……

أتخيل ذلك المشهد العصيب، الذي يستدعى فيه العبد الضعيف إلى مكتب سعادة القائد المحترم، وهو يخبره بقرار الإحالة على المعاش: – شكرا سيدي ” المقدم” لقد انتهت صلاحيتك ” ، ولم يعد للإدارة حاجة بك، تلك سنة الحياة، فلكل بداية نهاية، والوحيد الذي يستمر في مهامه، لا يخضع لإرث ولا لتمليك، هو ذلك الكرسي الراكن خلف المكتب.                                                 وإمعانا في التفسير، وفك الرموز، وقراءة الطالع قد يلقي سعادته على مسامعك الخطبة المشروخة : تعلم أن الوسائل الحديثة، والتكنولوجية المتقدمة، مكنت الإدارة من تتبع أنفاس المواطنين، وحركاتهم، ولم تعد هناك حاجة لعيون” المقدمين ” التي طلاها الرمد، وغمرتها ضبابة كثيفة ، حتى باتوا جميعا في حاجة إلى طبيب العيون لتصحيح النظر وتقويمه… .                      – بصوت مبحوح يجيب المسكين، شكرا السيد القائد : عَلَيَّ أن أرحل عن مقر القيادة، كما يرحل النهار بعد الزوال، ويقرأ الفاتحة وما تيسر من كتاب الله، ثم يودع المكان الذي خبره عقودا متواصلة، على أمل اكتشاف ما يخبئه القادم من الأيام.                              قبل أن يستقيم في جلسته، و يسترجع الذكريات، ويتخسر على أيام الشباب والفحولة واللحظات الجميلة ، يتوصل بقصاصة أخبار تفيد أن أعوان سلطة متقاعدين  عقدوا اجتماعا مع الكاتب العام لعمالة الرحامنة ، وأكدوا أن راتبهم الشهري تبخر بعد التقاعد، ولم يبق منه سوى 900 درهم في الشهر، اي “30 درهما” في اليوم. وبالحروف  : ثلاثون درهما في اليوم “.                                 ويرجع هذا الاقتطاع إلى سنوات عمل سابقة لم يكن مصرح بها لدى الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، إضافة إلى مجموعة من التعويضات التي تقتطع مباشرة عند التقاعد. 

لن نتحدث عن المعاناة المادية لأعوان السلطة برتبة مقدمين وشيوخ وهلم جرا، مع ما تبقى من راتب هزيل، لن يسد الحاجيات، ولن يغطي الأساسيات، وهي نهاية لا يرضاها المواطن البسيط لاخيه، فكيف وهو يجد نفسه وقد قضى عمرا في خدمة المجتمع، دون تحسين وضعية ،ولا تحفيزات مادية ،ولا ترقيات.. 

وكم يحز في النفس، حين تعلم مطالب هذه الفئة خلال ذلك الاجتماع الذي تستجدي فيه الإدارة، عساها تتدخل من أجل توفير شغل بالانعاش الوطني، او الحراسة والنقل المدرسي من أجل تغطية الخصاص المادي ،وبذلك تتجنب مدَّ اليد والسؤال، وتدفن أحلامها ومعتقداتها بأنها ستتمتع بتقاعد مريح ينسيها السنوات العجاف. 

هل فكرنا في نفسية أعوان السلطة العاملين اليوم، وهم يتلقون خبر الاقتطاع الذي تجاوز 75 في المائة ، وتحول الراتب من 3600 درهم كأجر شهري إلى 900 درهم. وهل تتدارك الحكومة الأمر حفاظا على كرامة هذه الفئة وصيانة حقوقها. لنا الأمل في أن تتم مراجعة هذا القرار ، وتعاد البسمة إلى وجوه الأعوان. 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى