ثقافة و فن

الناقد محمد بوعابد : اسماعيل زويريق: هو الذي رأى… هو الذي غدا شاعرا…

الانتفاضة االثقافية :

اعتذار : نعتذر للاستاذ المقتدر اخينا وصديقنا السي محمد بوعابد عن الخطإ غير المقصود الذي وقعنا فيه خلال تحرير هذه الشهادة المتميزة، حيث وقع لنا خلط في بعض المقدمات، فنسبنا إحداها لأستاذنا، وبالمناسبة نشكر سيدي محمد بوعابد على هذا التنبيه الذي قادنا إلى إعادة مراجعة الشهادة التي توصلنا بها، والتعجيل بالتصحيح والتعديل المطلوب, محمد السعيد مازغ

بقلم : الأستاذ الناقد محمد بوعابد

 إسماعيل زويريق : هو الذي رأى… هو الذي غدا شاعرا…


1) منذ أقدم العصور، ظل ينظر إلى كل من يسعى عاملا ليصير حاملا للقب شاعر باعتباره مختلفا عن باقي من يعيشون معه في نفس الفترة التاريخية، وفي نفس الفضاء الاجتماعي. وذلك لأن الشاعر الحق هو الذي يستطيع أن يبصر ما لا يبصره الآخرون، وأن يحدس ما لا يتوقعه غيره، وبالتالي هو القادر على أن يأتي بالألفاظ والعبارات، وأن يصوغ الجمل والتعابير، فتتخلق من بين يديه اللغة جديدة، وتتشكل الصور الفنية خارجة من مخياله متضافرة الأنوار، وقد امتزجت أمشاجها مجازات واستعارات وموسيقى. لكل هذا نظر الأقدمون إلى الشاعر نظرتهم إلى العراف المؤهل لكشف المستقبل، كما نظر إليه بعض المعاصرين نظرتهم إلى المصلح الاجتماعي…


وقد ظل المغرب الكبير، ومن ضمنه مغربنا الأقصى، غير ذي صيت في المجال الإبداعي الشعري، رغما عمن برز في أجوائه، وفي بلاطات ملوكه وأمرائه، من الشعراء الذين نذكر منهم: أبا العباس الجراوي، والأمير أبا الربيع سليمان الموحدي، وأبا فارس عبد العزيز الفشتالي، وغيرهم… ولم يعترف كتاب تاريخ الأدب العربي من المشارقة بغير بعض الشعراء الأندلسيين، من أمثال: ابن زيدون… وما التفتوا إلى غيرهم ممن ظهر في مختلف أصقاع الغرب الإسلامي. لذلك قام العلامة عبد الله كنون في مستهل العصر الحديث بتأليف كتابه الجليل: “النبوغ المغربي في الأدب العربي”، للرد من جهة أولى على المستعمر الأجنبي الذي كان يزعم غياب القدرات الفكرية والإبداعية عند المغاربة، وللكشف من جهة ثانية للإخوة المشارقة أن إخوانهم في المغرب الأقصى كانت لهم مساهمات في إثراء الأدب العربي (شعرا ونثرا، قصائد وموشحات وأزجالا، مقامات وكتابات رحلية).
وفي القرن العشرين برز عدد من الشعراء والشواعر المغاربة، تمكنوا من ترسيخ أسمائهم، واستطاعوا البصم على حضور قوي في المشهد الثقافي وطنيا وعربيا، نذكر بعض من ينتمون منهم إلى حاضرة مراكش: شاعر الحمراء محمد بن إبراهيم، الطيب المريني، أحمد النور، عبد القادر حسن العاصمي، أبو بكر الجرموني…
2) لا حق في هذا الوجود لمن يرى وقد استلذ من الحياة خمولا

(1) ينتمي الشاعر إسماعيل زويريق، المولود بمراكش سنة 1944، إلى سلالة الشعراء المغاربة والعرب الذين شرعوا يخوضون غمار الإبداع الشعري منذ ستينيات القرن العشرين، إذ يحكي الأستاذ الجامعي الفقيه محمد الطوكي، وهو ترب من أتراب الشاعر، في الشهادة التي كان قد دبجها في حق زميل دراسته، أن الأستاذ الذي درس اللغة العربية على يدي دهكان هو العلامة المربي، والفقيه، والشاعر أبا بكر الجرموني (1924- 1989) الذي يعتبر من مجددي الدرس اللغوي والأدبي في جامعة ابن يوسف. فقد أبدع هذا الشاعر المربي طريقة لتحفيز تلامذته على السير في دروب الإبداع الأدبي، وهي:

(…طريقة كان لها أثرها في التلطف في تربية الملكة الشعرية لدى شاعرنا زويريق)

(2)، وهذا ما سلف أن أكده الشاعر زويريق بنفسه حينما حكى عن علاقته المتينة بأستاذه وشيخه أبي بكر الجرموني، إذ كان كلما كتب شعرا عرضه على الأنظار النقدية الحصيفة والحنون لأستاذه الشاعر المرحوم، فكان هذا الأستاذ لا يتوقف عن دعوته إلى مزيد الاشتغال على لغته وصوره الفنية وموسيقى قريضه، وأنه يوم قدم له قصيدته “وحدي” عبر له عن الإجازة بقوله: (الآن غدوت شاعرا)، ودعاه إلى مواصلة الإبداع الشعري في مختلف الأغراض. ويبدو أن الشاعر إسماعيل زويريق، وهو الذي رأى كجلجامش فبثق صرخته في المدى شعرا، قد ظل يبحث عن فضاءات لنشر إبداعاته الشعرية خلال فترة كان فيها الطبع والنشر داخل الوطن المغربي شبه منعدم، فساهم خلال ثمانينيات القرن الفارط في تأسيس وتنشيط “منتدى الشعر” مع مجموعة من شعراء الجنوب المغربي كان من بينهم الشعراء: إبراهيم الحاري، ومحمد أديوان، وأحمد بلحاج أيت وارهام… ثم اشترك في النصف الثاني من التسعينيات في تأسيس “منتدى الديوان للشعر والشعراء” رفقة: محمد بوعابد، ومصطفى غلمان، وأحمد بلحاج أيت وارهام، وعبد الواحد معروفي، ومليكة العاصمي، وحبيبة الصوفي، ونجاة الزباير… فما كان له أن يكتفي بنشر إبداعاته في الملاحق الثقافية، بل سعى بجد وقوة إلى إصدار عدد من مؤلفاته الشعرية منذ 1998، نذكر منها: (مراكش/نخلة الغرباء/خيمة الياسمين/شبابة الألم/وحدي/بالشعر أزوق هذا المدى/للنجوم الزهراء تراتيلي/أشجان الليل الراحل/أصوات خارج العتمة/هتاف الألم/طائر الأرق/رقصة الجراح/بوابات الريح/لمن تشرق الشمس/موسم الورد/الأشذاب/سراج الأرق/على النهج/ما فوق هذي الأرض). وإلى جانب هذه المجموعة من الإصدارات الشعرية أخرج الأستاذ زويريق جملة من الكتابات النثرية، منها أنطولوجيتان: “شواعر من المغرب”، والجزء الخاص بحرف الألف من “شعراء من المغرب”، وأخرج كذلك كتابا في جزءين تضمن متنا ودراسة لثمانية آلاف من “لأمثال المراكشية”، ثم أصدر كتابا في جزءين بعنوان “معجم الألوان في لسان العرب” تضمن جزءه الأول المتن وتشكل جزءه الثاني من الدراسة. وعلاوة على كل هذه الأعمال المنشورة، وعلى ما كان قد وقف عليه بصفته رئيس تحرير مجلة “المنارة” التي ظلت تصدر خلال النصف الثاني من العقد التسعيني وبداية الألفية الثالثة، نجد زوادة هذا الشاعر والكاتب والرسام ما تزال مليئة بالعديد من الأعمال الإبداعية التي تنتظر الطبع والنشر.

إسماعيل زويريق هو الفرد المتعدد. فهو الشاعر الذي يأتيه الشعر معربا وملحونا، وفي المعرب قد يأتي به عموديا أو تفعيليا أو نثيرة. وهو الفنان التشكيلي الذي أقام العديد من المعارض الفردية وساهم إلى جانب غيره من الفنانين التشكيليين في معارض جماعية. وهو الباحث في التراث الثقافي والحضاري المغربي والعربي. كما أنه هو الفاعل الجمعوي الذي لا يتوانى عن الفعل والتفاعل تأسيسا وتنظيما، ويكفي التأشير على عضويته في العديد من الجمعيات الثقافية والفنية، ربما أهمها عمله كاتبا لفرع اتحاد كتاب المغرب بمراكش لسنوات.

وفي الجملة: إسماعيل زويريق مواطن مغربي وعربي منشغل بقضايا شعبه وأمته، وهو كذلك مواطن مسلم وإنساني النزعة له اهتمام بالقضايا الإنسانية في مختلف بقاع المعمور. لكل ذلك تنوعت وتعددت مجموعاته الشعرية التي عالج فيها قضايا ذاتية واجتماعية وأخرى سياسية وثقافية. وقد تميزت مجاميعه الشعرية هذه باعتماده صوغها وفق الأشكال الفنية التي داب على التفنن فيها، وهي الشكل العمودي، والشكل التفعيلي، وشكل النثيرة. ولأن إسماعيل زويريق رجل تربية وتعليم، فقد فطن إلى ضرورة أن تكون الأغاني والأشعار، التي تروم التوجه إلى الأطفال، محترمة لخصوصياتهم وقدراتهم الفكرية والتذوقية، وأن يتم استيحاؤها من عوالمهم الوجدانية والتخيلية، فتأتي محملة بمضامين تربوية هادفة. وهذا ما دفعه إلى إخراج مجموعتين شعريتين ضمن أدب الأطفال، هما: “أغاني الأرجوحة” و”أناشيد قوس قزح”. ولأنه صان بقوة في دواخله ذلك الطفل الذي كانه، فلبث طفلا شغوفا بكل ما هو مدهش وجميل، واستمر محافظا على صلاته بوالدته… لذلك فالشاعر الطفل زويريق خاطب الأم بقوله(3):

((أمي أمي أنا لا أهوى سواك

ما أنت أيا أمي إلا ملاك
في حضنك لست أرى إلا الوئام في قربك كل منى كل السلام أنت الدفء يا أمي أنت الحنان لولاك لما ذهبت عني الأحزان
أنت النور يا أمي أنت الضياء***والحياة بغيرك ليست إلا هباء))

الشاعر المتعدد الدواوين والتجارب: 

لا مبالغة إذا نحن قلنا إن الحاج إسماعيل زويريق يحتل المرتبة الأولى بين شعراء الوطن من حيث عدد الدواوين التي أخرجها لقراء الشعر في المغرب، فهي تكاد تفوق الثلاثين، وتتوزع بين ما انشد فيه إلى التعبير وفق القواعد التي سار عليها الشعراء العرب منذ أقدم العصور وحتى اللحظة الحاضرة، نعني بذلك ما سار فيه وفق النظام العمودي، معتمدا لغة عربية، فصيحة حد الانجراح، تمتاح معاجمها مما تضمنه الكتاب العزيز ودواوين الشعراء الجاهليين وحتى العباسيين، ومتوسلا الآليات البلاغية والمحسنات البديعية، ومنشغلا بأغراض شعرية متوارثة في حظيرة الشعر العربي، ثم ما كان فيه شاعرا وجدانيا، وشاعرا مناضلا يقف إلى جانب المظلومين، ويتحدث بلسانهم عن معاناتهم في مواجهة جلاديهم. كما أن هناك من الدواوين الشعرية ما اختط فيه السير ((على النهج)) الذي سلكه الشعراء المسلمون المعبرون عن محبتهم لسيد الخلق، وتقديرهم لآله وصحبه، وهذه التجربة الشعرية خاضها الشاعر بشوق ولوعة، وبعشق ووله، بحيث صدرت في أجزاء عديدة، ومنها قوله في الجزء الرابع من قصيدة ((نفسي بحب رسول الله لاهجة)):

بيني وبين حبيب القلب واشجة === ما كان توهي عراها كلها الحجب

ثم هناك عدد مهم من المجاميع الشعرية التي اعتمد فيها الشاعر إسماعيل زويريق النظام التفعيلي المعروف عند الجمهور باسم الشعر الحر، وقد جال في هذه الدواوين وصال على عادته، فأخرج لعشاق الشعر المغربي الحديث غررا ودررا ما تني تتلألأ أنوارها، وتزكو معانيها والدلالات. لكل ذلك، وأنا أحيي صديقي العزيز الشاعر المفلق، والفنان التشكيلي المبدع، والمنشط الثقافي الفاعل، والفاعل الجمعوي، الحاج إسماعيل زويريق، إليه أقول:

((بين يديها 

كم يلزمك من لغة سندا

كي تتفتح دواوين الإصباح 

في غسق الأصيل

وتنداح أنغامنا 

بالأناشيد والمواويل 

لا تلمني في دواوين العويل

بل تصطخب بذور منارات ونخيل

ثم تنبزغ سحائب قمح قدسي جليل

فتصطلي عراجين عروج لدني إليها؟

إن لسين الشمس فيك 

يا الوريد الجمع الخليل

اشتعال طعم الرحيق 

في حريق وادي الويل 

مشاتل برق عسلي عريق 

يزكو في الهطول

فإذا المنازل 

وإذا المشارب 

تنضج وما تزول

وإنما تمتد مدارج 

في سلوك الطريق الطويل

من بين يديها 

سموا في المعارج إليها.))

هوامش:
ص:66 من ديوان (ما فوق هذي الأرض) ط1/2020 دائرة الثقافة. الشارقة.
ص:243 من كتاب(على النهج 3 الدراسات) مقالة محمد الطوكي: “ذكريات لها ارتباط بالبداية الشعرية لدى إسماعيل زويريق”، ط1/2019. المطبعة الوراقة الوطنية.
ص:55 من ديوان (أناشيد قوس قزح – قصائد للأطفال) ط1/2019. المطبعة والوراقة الوطنية.

محمد بوعابد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى